الشوكاني
366
فتح القدير
مراحل من مصر ، هرب إليها موسى فأقام بها عشر سنين ، وهى أتم الأجلين ، وقيل أقام عند شعيب ثمان وعشرين سنة منها عشر مهر امرأته ابنة شعيب ، ومنها ثماني عشرة سنة بقي فيها عنده حتى ولد له ، والفاء في " فلبثت " تدل على أن المراد بالمحن المذكورة هي ما كان قبل لبثه في أهل مدين ( ثم جئت على قدر يا موسى ) أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبيا ، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهو رأس أربعين سنة ، أو على موعد قد عرفته بإخبار شعيب لك به . قال الشاعر : نال الخلافة إذ كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر وكلمة ثم المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه عليه السلام كان بعد مدة ، وذلك بسبب ما وقع له من ضلال الطريق وتفرق غنمه ونحو ذلك ( واصطنعتك لنفسي ) الاصطناع : اتخاذ الصنعة ، وهى الخير تسديه إلى إنسان ، والمعنى : اصطنعتك لوحيي ورسالتي لتتصرف قبل على إرادتي . قال الزجاج : تأويله اخترتك لإقامة حجتي ، وجعلتك بيني وبين خفي ، وصرت بالتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت عليهم . قيل وهو تمثيل لما خوله الله سبحانه من الكرامة العظمى بتقريب الملك لبعض خواصه ( اذهب أنت وأخوك ) أي وليذهب أخوك ، وهو كلام مستأنف مسوق لبيان ما هو المقصود من الاصطناع ومعنى ( بآياتي ) بمعجزاتي التي جعلتها لك آية ، وهى التسع الآيات ( ولا تنيا في ذكرى ) أي لا تضعفا ولا تفترا ، يقال ونى يني ونيا : إذا ضعف . قال الشاعر : فما ونى محمد مذ أن غفر * له الإله ما مضى وما غبر وقال امرؤ القيس : يسيح إذا ما السابحات على الونى * أثرن غبارا بالكديد الموكل قال الفراء : في ذكري وعن ذكري سواء ، والمعنى : لا تقصرا عن ذكري بالإحسان إليكما ، والإنعام عليكما وذكر النعمة شكرها . وقيل معنى " لا تنيا " لا تبطئا في تبليغ الرسالة ، وفى قراءة ابن مسعود " لا تهنا في ذكرى " ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) هذا أمر لهما جميعا بالذهاب ، وموسى حاضر وهارون غائب تغليبا لموسى ، لأنه الأصل في أداء الرسالة ، وعلل الأمر بالذهاب بقوله ( إنه طغى ) أي جاوز الحد في الكفر والتمرد . وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم ، وجمعهما هنا تشريفا لموسى بإفراده ، وتأكيدا للأمر بالذهاب بالتكرير . وقيل إن في هذا دليلا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما . وقيل الأول أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس ، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون . ثم أمرهما سبحانه بإلانة القول له لما في ذلك من التأثير في الإجابة ، فإن التخشين بادئ بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر ، والقول اللين هو الذي لا خشونة فيه ، يقال : لان الشئ يلين لينا ، والمراد تركهما للتعنيف كقولهما - هل لك إلى أن تزكى - وقيل القول اللين هو الكنية له ، وقيل أن يعداه بنعيم الدنيا إن أجاب ، ثم علل الأمر بإلانة القول له بقوله ( لعله يتذكر أو يخشى ) أي باشرا ذلك مباشرة من يرجو ويطمع ، فالرجاء راجع إليهما كما قاله جماعة من النحويين : سيبويه وغيره . وقد تقدم تحقيقه في غير موضع قال الزجاج : " لعل " لفظة طمع وترج ، فخاطبهم بما يعقلون . وقيل لعل هاهنا بمعنى الاستفهام . والمعنى : فانظرا هل يتذكر أو يخشى ، وقيل بمعنى كي . والتذكر : النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى يكون ذلك سببا في الإجابة ، والخشية هي خشية عقاب الله الموعود به على لسانهما ، وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع .